علي الهجويري
52
كشف المحجوب
البعض يتخيل أنها تتكون أساسا من التقوى الظاهرية دون تأمل داخلي ، ويعتقد الآخرون أنها نظام لا أساس له ، حتى أنهم اتبعوا رأى الساخرين منهم من علماء الظاهر ، والذين ينكرون الصوفية إنكارا كاملا دون أن يبذلوا أية محاولة لاكتشاف حقيقتها . إن أولئك الذين يساقون انسياقا أعمى مع هذا الرأي ، قد نزعوا من قلوبهم تلك الرغبة في الصفاء الباطني ، ونبذوا صفات السابقين الأولين من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ان الصفا صفة الصديق * إذا أردت صوفيا على التحقيق ذلك أن للصفاء أصل وفروع : فأصله انتزاع القلب من الأغيار ، وفرعه نفض اليد من هذه الدنيا الخادعة . وكانت هاتان الصفتان تميزان الصديق أبى بكر عبد اللّه بن أبي قحافة رضى اللّه عنه . فهو إمام أهل هذا الطريق ، ويكفى دليلا على انقطاع قلبه عن الاغيار أن كل الصحابة انكسرت قلوبهم لذهاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى الحضرة العلية ، والمكان الأسمى ، وسل عمر رضى اللّه عنه سيفه قائلا : « من قال إن النبي قد مات جززت رأسه » وعندئذ تقدم أبو بكر ، وقال بصوت عال : « من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت » ، وتلا الآية الكريمة وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ « 1 » . ان كل من يربط قلبه بالفاني فإنه يفنى ، ويضيع سعى قلبه هباء ، وذلك الذي يمد روحه إلى الحضرة الباقية يكون قائما بالبقاء ، حين تفنى النفس . أما أولئك الذين ينظرون إليه بعين الحقيقة فيدركون أن وجوده معهم وغيابه عنهم سواء ، إذ أن هاتين الحالتين راجعتان إلى اللّه الذي يبدل كل شيء ، وهم لا يبجلون محمدا إلا بالقدر الذي كرمه به اللّه ، ولا تتعلق قلوبهم بأحد غير
--> ( 1 ) سورة آل عمران : آية : 144 .